
لماذا حشدوا ثلاثين ألف مقاتل
هناك حدثٌ بارز وسلوك حربي غير اعتيادي كان لافتاً للأنظار وموضعاً للنقاش بين أهل الفكر والحكمة والعقل النيّر والقلب السليم، وقد حصل هذا الحدث على أرض الطف يوم عاشوراء من السنة المعلومة التي اعتُبرت تاريخاً جديداً للأمة بعد تاريخي المبعث الشريف والهجرة المباركة.
إن الذي استمال أفكار أهل الوعي من كل الأطراف هو مسألة حشد جيش كبير عُدَّ بثلاثين ألف مقاتل على أقل تقدير لقتال فئة خرجت من المدينة المنورة وهي لا يتجاوز عدد أفرادها الخمسين رجلاً، ووصلت إلى كربلاء بزيادة غير ملحوظة إلا بالتدقيق والتأمل ووصلت إلى كربلاء دون أن تتجاوز المئة.
وقد كان الناس في الماضي يدركون عدد أفراد الطرف المعادي لهم من خلال حشد جيوشهم، فإذا حُشد عدد كبير علم الناس بأن عدد العدو كبير، وإذا حشدوا عدداً صغيراً علموا بأن عدد أفراد العدو مثله، وعلى وجه المثال كان إذا أراد أحد القادة أن يقاتل جيشاً مؤلفاً من ألف مقاتل ويريد أن يرجّح كفة الإنتصار كان يرسل إليهم عدداً مضاعفاً أي أنه كان يرسل ما يقرب من ألفي مقاتل، وهذه النسبة من شأنها أن تُحدث تغييراً على أرض الواقع وتبدّل المعادلات، ثم إن حشد عدد كبير من المقاتلين كان يكلف القائد مبالغ هائلة من طعام وشراب ولباس وعتاد وأموال وغير ذلك من مصاريف الحرب كالتعويضات على ذوي القتلى وعلى الجرحى وا أشبه ذلك، هذا بالإضافة إلى المكافآت والإحتفالات، ولذا نجد بأن القادة كانوا يدرسون الأمر بشكل دقيق كيلا تكون الكلفة باهضة، وفي نفس الوقت كانوا يرسلون من الأعداد ما يضمنون بها الإنتصار على العدو.
ثم إن إرسال الأضعاف المضاعفة لمجموعة قليلة من المقاتلين كان يعني عندهم الضعف والخوف، يعني كانوا يرسلون مقدار الحاجة فقط كيلا يُنظر إليهم نظرة استخفاف من قبل شعوبهم وغير شعوبهم.
وهذا ضربٌ من ضروب التخطيط العسكري والسياسي والإقتصادي والنفسي في آن واحد.
وقد أردت من خلال هذه المقدمة أن أمهد للدخول في بحث حول حشد يزيد أكثر من ثلاثين ألف مقاتل لمواجهة ما يقل عن مئة شخص عُزَّل من السلاح والطعام والشراب وكل مقدمات الحرب.
وهنا أتوقف قليلاً على موضوع حشد ذلك العدد الهائل الذي تجاوز ثلاثمئة ضعف عدد جيش الحسين، فكثير من المؤرخين والباحثين والخطباء أكدوا على وجود هذا العدد الهائل واتفقت رواياتهم على ذلك، ولكنهم لم يعيروا لهذا الحدث أي نوع من أنواع الإهتمام المعمق، إما لتقصيرهم تارة وقصورهم تارة أخرى، أو لعدم اعتقادهم بوجود منفعة من خلال الوقوف على هذا الحدث، وهذا خطأ فيهم حيث يمكن لنا أن نستفيد كثيراً من مسألة حشد هذا العدد الكبير، والعاقل لا ينبغي أن يتجاوز أي أمر أو أي حدث من أية حادثة خصوصاً ما يتعلق بسلوك العظماء أمثال النبي وآله(ص) فينبغي علينا أن ندرس كل مواقفهم وكلماتهم وحركاتهم وسكناتهم وإن كانت في نظر البعض عابرة، لأن دراسة كل التفاصيل عنهم تتكفل ببيان الحقيقة بشكل أوضح وأسرع، وبالأخص عندما يدور نقاش عميق وحساس بيننا وبين بعض المعاندين الذين جنّدوا أنفسهم وكل طاقاتهم من أجل إحقاق الباطل وإبطال الحق.
وأنا شخصياً أستطيع أن أستنبط من هذا الحدث عدة نتائج:
النتيجة الأولى: أن حشدهم لهذا العدد الكبير ينبئ عن مدى حقدهم ووحشيتهم وهمجيتهم، فهو تعبير عن مدى تعطشهم لسفك الدماء الزكية والبريئة، ويؤيد هذه الفكرة تمثيلهم البشع بالجثث بعد قتلها، إذ لم يتركوا جثة إلا وشوهوها وأفرغوا كل حقدهم بها، وأوضح نموذج عن مدى حقدهم هو أنه بعد أن قتلوا الإمام الحسين صنعوا عدة أمور أنبأت عن حقدهم الكبير تجاه أهل الحق، وعن كونهم وحوشاً بصور بشر لأن ما قاموا به من أنواع التمثيل تأباه بعض الحيوانات المفترسة التي إذا شبعت تحولت إلى حيوانات أليفة، أما هؤلاء فلم يشبعوا من سفك الدماء رغم كثرة سفكهم لها وهم يعرفون تماماً أن التمثيل بالأجساد منهي عنه في شريعة الإسلام، وكان صوت رسول الله وكلامه مدوياً فيهم ونهيه عن التمثيل حاضراً عندهم حيث قال للملأ : إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور: فلقد قاموا بعدة أمور كشفت عما في داخلهم من الوحشية:
الأمر الأول: أنهم بعد أن قتلوا الإمام جمعوا عشرة فرسان طحنوا عظام صدر الحسين بحوافر خيولهم وكان بعض الحاضرين يسمع صوت العظم وهو يتحطم، وما زال أحفاد هؤلاء العشرة موجودين في بعض الدول العربية وهم حتى الآن يتباهُون بما صنعه أجدادهم بالحسين بعد قتله.
الأمر الثاني: أنهم رفعوا الرؤوس الشريفة على رؤوس الرماح وداروا بها من بلد إلى بلد بهدف الشماتة والإنتقام.
الأمر الثالث: أنهم تركوا الجثث على وجه الأرض عرضة لحرارة الشمس والوحوش الضارية وهذا مخالف لعادات العرب تجاه الأعداء.
الأمر الرابع: منعهم الماء خصوصاً عن الأطفال مهما كان الهدف من وراء ذلك، أي سواء كان لإرضاخ القائد على الإستسلام أو لمجرد التشفي والإقهار، وهذا أقرب لواقعهم السيء بدليل أنهم بعد أن انتهوا من المعركة راحوا يقدمون الماء للأطفال بشرط أن يسبوا الحسين وعلي بن أبي طالب، وهذا يكشف عن أن منعهم الأطفال من شرب الماء لم يكن للضغط على الحسين وإنما كان بهدف الإنتقام من كل علوي حتى ولو كان طفلاً صغيراً لا يعرف من الحياة شيئاً.
الأمر الخامس: قتلهم للطفل الرضيع الذي استسقى الحسين له فأبوا أن يسقوه فرموه بسهم ذبحه من الوريد إلى الوريد.
الأمر السادس: نظرة ابن زياد ويزيد إلى رأس الحسين نظرة شماتة واستعلاء، وضربُ يزيد لرأس الحسين عندما وُضع أمامه إذ راح يتشفى ويلعب بشفتي الرأس بخيزران كان يحمله بيده بطريقة تدل على مدى حقده، ولو لم يكن يزيد خائفاً من بعض من كان حوله لطحن الرأس الشريف مئة مرة.
وهناك العديد من النماذج الدالة على مدى حقدهم تجاه الرسول وآله وكل من والاهم في هذه الحياة، وقد أفصح معاوية عن حقده الدفين تجاه رسول الله عندما سمع الأذان في يوم من الأيام فغضب كيف أن إسم محمد يعلوا فوق المآذن وأن ذكر آبائه وأجداده قد دُفن لحظة دفنهم.
وقد استعملوا هذا الأسلوب البشع كي يلقوا الرعب في قلب كل من يفكر الخروج على أوامر يزيد، ولكن تأثير هذا الأسلوب لم يدم طويلاً وذلك عندما انتفض الناس ضد يزيد وأعوانه وقاموا بعدد من الثورات كانت من أسباب زوال ذلك الحكم، وأقول من أسباب لأن السبب الأول في تدمير الكيان اليزيدي كان وما زال ثورة الإمام الحسين.
النتيجة الثانية: وهي أن حشدهم لهذا العدد الكبير لأكبر دليل على شجاعة الحسين وأصحابه فقد حشدوا لكل فرد من جيش الحسين ثلاثمئة مقاتل ليضمنوا النتيجة العسكرية لأنفسهم.
فلقد احتاطوا بإرسال هذا العدد مع علمهم بأنه لن يجرأ أحد على اللحاق بركب الحسين، وأنه لو أراد واحد اللحاق بهم لما أدركهم على قيد الحياة، والشاهد على ذلك هو الصحابي الشاب سعيد بن مرة التميمي الذي قرر القتال بين يدي الحسين ولكنه وصل بعد أن كان الحسين وأولاده وأصحابه جثثاً بلا رؤوس، ولهذا فإنهم فرضوا الحصار على معسكر الحسين خوفاً من أن يأتيه المناصرون من كل حدب وصوب وخصوصاً بعد أن علم يزيد بأمر آلاف الكتب التي وردت إلى الحسين من الكوفة وما تتضمن من وعيد ليزيد وحكمه الظالم، فلقد حوصرت الكوفة في وقت المعركة كيلا يخرج منها أحد، وقد حاول يزيد عبر عامله على الكوفة عبيد الله بن زياد أن يلقي الرعب مرة والمال ثانية عند الكوفيين كيلا بفكر أحد منهم بالخروج عليه.
النتيجة الثالثة: وهي خوفهم من أن يعلم الناس بحقيقة تلك الجريمة البشعة فيهبوا لمواجهتهم، وهذا ما دفع بهم إلى فرض التعتيم الإعلامي حول تلك المعركة بعد أن روجوا للناس أن الأمير يزيداً يعاقب مجموعة من الناس خرجت عليه.
النتيجة الرابعة: أنهم كانوا على علم بأنه لن يهب أحد لنصرة الحسين ولكنهم جمعوا هذا العدد من أجل أن يُشفي يزيد غليله تجاه قاهره الحسين قبل استشهاده وبعده.
الشيخ علي فقيه



